ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

274

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

النبات يغذي وهذا يقوي وهذا يقتل وهذا يبرد وهذا إذا حصل في المعدة قمع الصفراء من أعماق العروق وهذا يستحيل إلى الصفراء وهذا يقمع البلغم والسوداء وهذا يستحيل إليهما وهذا يصفي الدم وهذا يستحيل دما فلم ينبت من الأرض ورقة ولا نبتة إلا وفيها منافع لا يقوى البشر على الوقوف على كثرتها ولو أردنا أن نذكر اختلاف أجناس النبات وأنواعه ومنافعه وأحواله وعجائبه لانقضت الأيام في وصف ذلك فيكفيك من كل جنس نبذة يسيرة تدلك على طريق الفكر في عجيب صنع الله الذي أتقن كل شيء . ومن آياته الجواهر المودعة تحت الجبال والمعادن الحاصلة من الأرض ففي الأرض قطع متجاورات مختلفة فانظر إلى الجبال كيف يخرج منها الجواهر النفيسة من الذهب والفضة والفيروزج واللعل وغيرها بعضها منطبعة تحت المطارق كالذهب والنحاس والرصاص والحديد وبعضها لا ينطبع كالفيروزج واللعل وكيف هدى الله الناس إلى استخراجها وتنقيتها واتخاذ الأواني والآلات والنقود والحلي منها ثم انظر إلى معادن الأرض من النفط والكبريت والقير وغيرها وأقلها الملح ولا يحتاج إليه إلا لتطييب الطعام ولو خلت عنه بلدة لسارع الهلاك إليها وانظر إلى رحمة الله كيف خلق بعض الأراضي سبخة ( 1 ) بجوهرها بحيث يجتمع فيها الماء الصافي من المطر فيستحيل ملحا مالحا محرقا لا يمكن تناول مثقال منه ليكون ذلك تطييبا لطعامك إذا أكلته فتهنأ بعيشك وما من جماد ولا حيوان ولا نبات إلا وفيه حكمة الله تعالى ولا خلق شيء منها عبثا ولا لعبا ولا هزلا بل خلق الكل بالحق وكما ينبغي وعلى الوجه الذي ينبغي وكما يليق بحكمته ولطفه وجلاله وكرمه ولذلك قال وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ومن آياته ملكوت السماوات وما فيها من الكواكب ومن فاته عجائب السماوات فقد فاته الكل تحقيقا والأرض والبحار والهواء وكل جسم سوى السماوات بالإضافة إلى السماوات كقطرة في بحر أو أصغر ثم انظر كيف عظم الله أمر السماوات والنجوم في كتابه فما من سورة إلا وتشتمل على تفخيمها في مواضع وكم من قسم في القرآن بها كقوله تعالى وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ وَالسَّماءِ ذاتِ

--> ( 1 ) السبخة - بسكون الباء وفتحها مع فتح السين : الأرض المالحة .